من كتاب محياي
العديد من كبار السن اليوم يلوم هذا الزمان ويقول ، في السابق لم تكن لدينا الامراض ، لم نعرف هذه الاسقام ، لم نسمع بالسرطانات ، حتى مرض السكر لم نسمع به .
اقول ، يا والدي لم يكن هناك قدرات تشخيصية مثل اليوم ، يا والدي كم كان عدد الأطفال الذين يموتون بعد الولادة ، كم اعداد الموتى الشباب ، وكم اعداد الوفيات في سن الخمسينات ، اجزم انها اكثر . اوجد الله لنا اليوم المضادات الحيوية ، ومسيلات الدم ، و الاسبرين و القسطرة القلبية ، واليوم اصبحنا ندرك انه يجب ان نضع على كل كيس – خيشة – رز ملصق كبير احمر ، مكتوب عليه بالأسود ” الارز سبب رئيسي لأمراض القلب والشرايين والجلطات الدماغية و حتى الفشل الكلوي ” ، علب السجائر ليس العدو الاوحد .
ولكن ، كيف ينظر اصحاب الاعمال الى الخدمات الطبية اليوم ؟
خلال السنوات القليلة الماضية ، ومع الزامية التامين الطبي للعاملين في القطاع الخاص ، بدا التحول شيئا فشيئا في اتجاهات الحكومات واصحاب القرار في تحمل نفقات الخدمات الطبية لنسبة كبيرة جدا من فئات المجتمع الحالي الى القطاع الخاص حتى اصبح اصحاب الاعمال متكفلين وبنسبة قذ تزيد عن الثلاثين في المائة من مجمل السكان الخليجيين . ومع ذلك، ما زالت ميزانيات الخدمات الصحية المحلية في تزايد مستمر، سنة بعد سنة، حتى بدأت تتخطى حاجز العشرة بالمائة من مجمل الميزانيات العامة. ولكن , وبنظرة خلفية ، كم نسبة فئات الشعب الذين تنفق عليهم اكثر من عشرة بالمائة من مجمل الميزانية ، اذا استثنينا عاملي القطاع الخاص من مواطنين ووافدين ، واستثنينا فئات الشباب ، واستثنينا الفئات الميسورة ، كم سيتبقى من الناس من يستفيد حقيقة من هذه العشرة بالمائة ؟
اكثر الاتفاقات اليوم في الخدمات الطبية موجهة الى العلاج التفاعلي ، ان حصل مرض نقوم ونذهب لعلاجه ، ولذلك التوجه اكثر اليوم لإيجاد المراكز التخصصية او المقومات البحثية المساندة لها ، في حين ما تزال الكثير من دور الرعاية الاولية في الخط الخلفي لها . الفرق الشاسع في الحاجة بين الخدمتين المقدمتين – المستشفيات التخصصية ومراكز الرعاية الاولية – ينمي ويزيد من ريع المستشفيات الخاصة ، حسب حاجة الناس اليومية والاعتماد عليها بشكل مباشر من قبل المستهلك السعودي والخليجي . هنا، يزداد الانفاق المباشر من الفرد ، والانفاق التأميني ، وحتى انفاق اصحاب الاعمال ، وهنا يكون التواجد للمقارنات والمنافسات الداخلية والخارجية . ولذلك ايضا ، اود ان اشير الى التوجه الى الافراد والى اصحاب الاعمال في تحمل اعباء ونفقات الخدمات الصحية من صناع القرار : الى اين نحن سائرون في الانفاق ، الى اين نحي سائرون في العناية بأنفسنا بجدية ، ما حجم الفائدة – الصحة او العافية او الحياة – من كل هذه الإنفاقات ؟
في نفس الوقت الذي نطرح فيه هذه التساؤلات ، وعلى اصحاب الاعمال خصوصا ، العديد من الناس لا تتحسن احوالهم الصحية ، ما زالت معدلات الوفيات و المضاعفات المرضية و الاخطاء الطبية و اللامبالاة ما تزال في تنامي ، مازال البعض يوم بعد يوم يكتشف ضحالة ما يغطيه برنامجه التآميني من خدمات علاجية وصحية : ويتفاجئ عندما يحضر ابنه او ابنته لعلاج طاريء ان هذا الفحص او ذاك ” لا يشمله تأمينك ! “، مازال العديد من الافراد يفقدون وظائفهم بصورة اسهل من ذي قبل ، وتناقص حس الامان الوظيفي ، ومازال العديد يشعر بعدم تحسن مستويات رفع البطالة , ما زالت السمنة اكبر سبب يمنع الشابات قبل الشباب من الوظائف . اصبح الفرد وصاحب العمل اليوم مدفوعا بسبب التكاليف الطبية الباهظة لعلاج الحالات اليومية والطوارئ السريعة الى مصادرة البرامج العلاجية الوقائية وحتى البرامج المخصصة لعلاج الحالات المزمنة ، بالتالي فالذهاب الى العيادات التخصصية بشكل روتيني والعيادات المسائية السريعة وحتى غرف الطوارئ من اجل العلاج السريع قد استنفد اموال الناس و ميزانيات اصحاب الاعمال ، اصبح توجه اصحاب الاستثمار الذي دائما ما توجسوا من عوائد القطاع الصحي ، ولكنهم عادوا اليه من خلال هذه البوابة ، بوابة الربح السريع من الخدمات المطلوبة ، فتزايد حجم الانفاق على الخدمات التفاعلية ، لم يرتفع المستوى الصحي العام للناس بسبب اختيار العلاج وليس الوقاية ، زاد التأثير العكسي النفسي لذلك ، فزادت معدلات العنف الاسري و الاكتئاب لدى النساء والرجال على حد سواء ، بدأ الناس يتعاملون مع المضاعفات المرضية بسبب التراكمات ، وكم هي مكلفة وشاقة للحصول شيء مرضي وقريب منها ، وبشكل عام ، المجتمع ، بصورة عامة ، اصبح اكثر مرضا .
لو وضعنا كمية هذه الاموال المنفقة من الافراد ، واصحاب الاعمال ، مع اوضاع الاقتصاديات المحلية ، مع اوضاع الاقتصاديات العالمية ، مع تعثر البعض من الاعمال المحلية ، مع توافد العمالة السائبة الطبية – اللي اي كلام – باثر رجعي على بلادنا ، لوجدنا ان العلاقة المأساوية بين حجم الإنفاقات على القطاع الصحي بجميع مستوياته والامان المالي قد عاد الى التأزم من جديد .
العامل المهم تحديده هنا ، هو هل الصحة او الحياة بشكل عام للأفراد كأفراد وللمجتمع كمجتمع تتزايد مع كل ريال ننفقه ام انها ما زالت تنحدر .
خادم الحرمين الشريفين اعد العدة كاملة ووضع لنا الميزانيات الهائلة ، والامر عائد الينا ، هل نحن نستثمرها في صحتنا بالشكل المطلوب ام لا ؟
وللحديث بقية بإذن الله


















